تعاون الصين وأفريكا.. وقواعد اللعبة!

د. أحمد مصطفى يكتب
من المقرر أن يغير التعاون المالي الصيني الأفريقي قواعد اللعبة في أفريقيا. ويتميز هذا التعاون باستراتيجيات مالية مبتكرة وتركيز على تطوير البنية التحتية، حيث يعمل أكثر من مجرد تعاملات اقتصادية. فهو يمثل تعاونًا استراتيجيًا يهدف إلى تحقيق النمو والاستدامة على المدى الطويل. يقول المثل الصيني: ”أعطِ رجلاً سمكة فتطعمه ليوم واحد. وعلّم رجلاً صيد السمك فتطعمه مدى الحياة”، يلخص تمامًا روح التعاون المالي الصيني الأفريقي.
ومن الأمثلة البارزة على هذا التعاون بناء خط السكك الحديدية القياسي في كينيا. فقد ساهمت هذه المبادرة التي تقودها الصين في تعزيز البنية التحتية للنقل بشكل كبير مع توفير الآلاف من فرص العمل وتعزيز النشاط الاقتصادي على طول مساره. وتسلط السكك الحديدية الضوء على نجاح المقاربات المالية الصينية، التي تعتبر البنية التحتية أساسية لتحفيز التقدم الاقتصادي الشامل. وعلى النقيض من البرامج الغربية التي تركز على المساعدة الفورية، فإن التعاون المالي الصيني الأفريقي يعطي الأولوية للاستثمارات التي ترسي الأساس للنجاح في المستقبل.
ومن المشاريع الأخرى الجديرة بالملاحظة خط سكة حديد أديس أبابا – جيبوتي الذي يربط بين إثيوبيا وجيبوتي. وقد أحدثت هذه السكة الحديدية تحولاً في التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة من خلال اختصار وقت السفر وتكاليفه، وبالتالي تسهيل تدفق البضائع والأشخاص. ويعكس المشروع الطموح المستدام والطويل الأجل للتعاون المالي الصيني الأفريقي، وهو إقامة مناطق اقتصادية مترابطة تعود بالنفع على العديد من الدول. وكما قال رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريام ديسالين: ”هذه السكة الحديدية هي رمز لالتزامنا بالتكامل الإقليمي والتعاون الاقتصادي“.
يركز التعاون المالي الصيني الأفريقي بشكل كبير على تطوير البنية التحتية للطاقة، وهو أمر حيوي للنمو الاقتصادي الإقليمي. على سبيل المثال، في زامبيا، استثمرت الصين في العديد من محطات الطاقة الكهرومائية وبنتها، مثل مشروع كاريبا ساوث إكستنشن، ومحطة كافوي غورجي السفلى للطاقة الكهرومائية. وقد عززت هذه المبادرات بشكل كبير من قدرة البلاد على توليد الكهرباء، مما أفاد الصناعات والأسر المعيشية على حد سواء، مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
يتماشى الجانب المستدام لهذه المشاريع مع الأهداف البيئية العالمية، مما يجعل التعاون المالي الصيني الأفريقي نهجاً أكثر مسؤولية وتقدمية مقارنة بالعديد من البرامج الغربية.
وتُعد مبادرة الحزام والطريق بمثابة عنصر رئيسي آخر للتعاون المالي، حيث تهدف إلى إنشاء شبكة من الطرق التجارية ومشاريع البنية التحتية التي تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ففي أفريقيا، سهلت مبادرة الحزام والطريق إنشاء العديد من الموانئ والطرق والمجمعات الصناعية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك ممر النقل بين ميناء لامو وجنوب السودان وإثيوبيا، والذي يهدف إلى تحسين الربط والتجارة الإقليمية. إن الاستراتيجية الشاملة لمبادرة الحزام والطريق، التي تشمل قطاعات وبلدان متعددة، تميزها عن المبادرات الغربية التي تعمل في كثير من الأحيان بمعزل عن بعضها البعض.
بالإضافة إلى ذلك، يعطي التعاون المالي الصيني الأفريقي الأولوية لبناء القدرات ونقل المهارات. ففي نيجيريا، أنشأت الحكومة الصينية العديد من مراكز التدريب المهني لتزويد السكان المحليين بالمهارات اللازمة لتشغيل وصيانة مشاريع البنية التحتية. تضمن هذه الاستراتيجية أن تمتد مزايا هذه المشروعات إلى ما هو أبعد من المكاسب الفورية وتستمر مع مرور الوقت. وكما قال الرئيس النيجيري محمد بخاري: ”إن المهارات والمعرفة التي يتم نقلها من خلال هذه البرامج ستمكّن شعبنا وتدفع باقتصادنا إلى الأمام“.
يمكن رؤية فعالية التعاون المالي الصيني الأفريقي بوضوح في قدرته على التكيف مع الاحتياجات والظروف المحلية. وعلى عكس البرامج الغربية التي غالباً ما تطبق حلولاً واحدة تناسب الجميع، فإن المبادرات الصينية مصممة خصيصاً لمواجهة التحديات والفرص الفريدة لكل بلد. فعلى سبيل المثال، قامت الصين في أنغولا باستثمارات كبيرة في التنمية الزراعية وتحديث الممارسات الزراعية وتعزيز إنتاج الغذاء.
ولا تلبي هذه الاستراتيجية المحلية المتطلبات الاقتصادية الفورية فحسب، بل تعزز أيضاً الأمن الغذائي وتدعم التنمية الريفية. ويقوم التعاون المالي الصيني الأفريقي على مبدأ الاستدامة الأساسي، مع التركيز على المشروعات التي تؤثر إيجاباً على البيئة. ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، دعمت الصين تطوير مشاريع الطاقة المتجددة، مثل مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. هذه الجهود لا تساعد فقط على خفض انبعاثات الكربون، بل تولد أيضاً فرصاً اقتصادية جديدة في القطاع الأخضر. ويتماشى التركيز المستدام لهذه المشاريع مع المبادرات العالمية لمعالجة تغير المناخ وتعزيز النمو الأخضر.
وعلاوة على ذلك، فإن الشفافية والمساءلة في التعاون المالي الصيني الأفريقي آخذة في الازدياد، مع التركيز المتزايد على الحوكمة الرشيدة وتدابير مكافحة الفساد. ففي غانا، على سبيل المثال، تعاونت الصين بشكل وثيق مع السلطات المحلية لضمان إدارة مشاريع البنية التحتية بشفافية واستخدام الأموال بفعالية. هذا الالتزام بالشفافية يعزز الثقة ويضمن توزيع فوائد هذه المشاريع بشكل عادل بين السكان.
وقد أصبحت مصر، بموقعها الاستراتيجي واقتصادها الآخذ في التوسع، منطقة رئيسية للعمليات المالية الصينية الأفريقية. تجسد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الاستثمار الصيني في مصر بهدف تحويل المنطقة إلى مركز لوجستي وتصنيعي عالمي قادر على خلق الآلاف من فرص العمل وجذب المستثمرين الدوليين. كما أنها تُظهر قوة التعاون وإمكانية التعاون المالي الصيني الأفريقي لتحفيز النمو الاقتصادي والازدهار في أفريقيا.
وأخيراً، يبرز التعاون المالي الصيني الأفريقي بسبب رؤيته طويلة الأجل ونهجه الاستراتيجي. فعلى النقيض من العديد من البرامج الغربية التي تميل إلى إعطاء الأولوية للمساعدات الفورية والفوائد قصيرة الأجل، تهدف المبادرات الصينية إلى إحداث تأثير دائم.
فمن خلال التركيز على الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة ورأس المال البشري، يضع التعاون المالي الصيني الأفريقي أساسًا لمستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة في أفريقيا. وكما يقول المثل الصيني: ”رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة“. وقد بدأت رحلة التعاون المالي الصيني الأفريقي في أفريقيا للتو، مع إمكانية كبيرة للتغيير التحويلي.
* المؤلف هو مدير ومالك مركز آسيا للدراسات والترجمة ومقره القاهرة، مصر.